جعفر شرف الدين
264
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
بصره بعد وقوف ، وأحدّ بعد كلال ونبوّ . فهذا معنى قوله سبحانه : فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 ) . وفي قوله تعالى : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( 30 ) استعارة : لأن الخطاب للنار والجواب منها ، في الحقيقة لا يصحان . وإنما المراد - واللّه أعلم - أنها في ما ظهر من امتلائها ، وبان من اغتصاصها بأهلها ، بمنزلة الناطقة بأنه لا مزيد فيها ، ولا سعة عندها . وذلك كقول الشاعر : امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني ولم يكن هناك قول من الحوض على الحقيقة ، ولكن المعنى أن ما ظهر من امتلائه في تلك الحال ، جار مجرى القول منه ؛ فأقام تعالى الأمر المدرك بالعين ، مقام القول المسموع بالأذن . وقيل : المعنى أنّا نقول لخزنة جهنّم هذا القول ، ويكون الجواب منهم على حدّ الخطاب . ويكون ذلك من قبيل : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف / 82 ] بإسقاط المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه . وذلك كقولهم : يا خيل اللّه اركبي . والمراد يا رجال اللّه اركبي . وعلى القول الأول ، يكون مخرج هذا القول لجهنّم على طريق التقرير ، لاستخراج الجواب بظاهر الحال ، لا على طريق الاستفهام والاستعلام . إذ كان اللّه سبحانه قد علم امتلاءها قبل أن يظهر ذلك فيها . وإنما قال سبحانه هذا الكلام ليعلم الخلائق صحّة وعده ، إذ يقول تعالى : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * ( 119 ) [ هود ] . والوجه في قوله تعالى في الحكاية عن جهنم : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( 30 ) بمعنى لا من مزيد فيّ . وليس ذلك على طريق طلب الزيادة ، وهذا معروف في الكلام . ومثله قوله ( ص ) : « وهل ترك عقيل لنا من دار ؟ » « 1 » ، أي ما ترك لنا دارا . وفي قوله سبحانه وتعالى :
--> ( 1 ) . قاله عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة . فقد مضى الزبير بن العوام برايته حتّى ركّزها عند قبة رسول اللّه ، وكان معه أم سلمة وميمونة رضي اللّه عنهما ، وقيل : يا رسول اللّه ! ألا تنزل منزلك من الشعب ؟ فقال : وهل ترك لنا عقيل منزلا ؟ وكان عقيل بن أبي طالب قد باع منزل رسول اللّه ( ص ) ومنزل إخوته . والرجال والنساء بمكّة . فقيل : يا رسول اللّه ! فانزل في بعض بيوت مكة في غير منازلك ، فقال : لا أدخل البيوت ! فلم يزل مضطربا بالحجون [ وهو جبل بمكّة ] لم يدخل بيتا ، وكان يأتي المسجد من الحجون لكلّ صلاة . انظر الخبر في « إمتاع الأسماع » للمقريزي المؤرخ ، ج 1 ص 381 .